محمد بن المنور الميهني

55

أسرار التوحيد في مقامات أبي سعيد

وروى أنه عندما بلغ حال الشيخ تلك الدرجة التي بلغها وأصبح مشهورا ، كان قد جلس يوما على باب روضته المقدسة ، عمرها اللّه ، وكان أحد مريديه يقطع بطيخة حلوة بالسكين ، وكان يقلبها في السكر ليأكل منها الشيخ ومر أحد المنكرين على هذا المكان فقال له : أيها الشيخ ، ما طعم ذلك الذي تأكله الآن ، وماذا كان طعم ما كنت تأكله طيلة الأعوام السبعة ، وأيهما أطيب ؟ فقال الشيخ : إن لكل منهما طعم الوقت ، فإذا كان للوقت ( ص 41 ) صفة البسط يكون ذلك العشب والشوك أطيب من هذا - وأشار إلى البطيخ - وإذا كان هناك قبض « لأن اللّه يقبض ويبسط » ، والمطلوب في الحجاب ، فإن هذا السكر ليس أطيب من ذلك الشوك . ولهذا قال الشيخ قدس اللّه روحه العزيز : كل من رآنا في أول الأمر صار صديقا ، وكل من رآنا في النهاية صار زنديقا . يعنى أنه في أول الحال تكون الرياضة والمجاهدة ، ولما كان الناس كثيرا ما يرون الصورة ويعبدون الظاهر ، فإنهم حين كانوا يرون تلك الحياة ويشاهدون تلك المجاهدات في طريق الحق كان صدقهم يزداد في هذا الطريق فينالون درجة الصديقين . وفي آخر الحال تكون المشاهدة ويكون الوقت قد حان لظهور تمرة تلك المجاهدات ، فلا بد أن يكون التنعم والرفاهية ، وتكون الحال الأولى على عكس هذه فينكرون ما هو حق ، وكل من ينكر الحق يكون زنديقا . وهناك أدلة كثيرة على هذا منها أنه إذا أراد شخص أن يتقرب إلى ملك ليكون صاحب سره ؛ فإنه ينبغي عليه أن يواجه كثيرا من الآلام والبلايا ، وأن يتذوق أنواع المشقات وأن يحتمل الطيب والوضيع ، وأن يستمع إلى الأقوال الغليظة ، ويجب عليه أن يصبر على هذا كله ، وأن يتقبل كل هذه الآلام بوجه باش وطبع سمح ، ويؤدى